ا لفنان ...وسيمياء عالم الاغتراب .. الجزء الثاني

.

المقاله تحت باب  محور النقد
في 
16/12/2011 06:00 AM
GMT



خطايا الفنانون

هنا.. نعرج على ما اعتبر خطايا في انتاج الفنانين والادباء والمبدعين ، في حالة فان كوخ فأن الادراك النفسي يعني التعبير النفسي وهو بالنسبة الينا كرسام فنان حقا ، ويجب ان نتذكر ان فان كوخ عاش اربعين عام ولم يدرك انه رسام الا في السنوات الثمان الاخيرة منها وانها لفترة طويلة ان يعيش الانسان ثلاثين عام بدون أي اتجاه .

لم تكن لدى فان كوخ أي فكرة عن الاتجاه الذي يجب ان يوجه فعاليته نحوه ، ما يعذبه حقا ان لديه هدفا لكنه لا يعرف ما هو، فهو يتقلب تارة من الامتناع الجنسي والاستشهاد الديني والفقر والمجاعة والاقتران بمومس واخيرا الى نوع من الصرع والجنون .

ان مشكلة فان كوخ الحقيقية ترجع الى عدم استطاعته ان يجد ايمان جديدا ، ولأنه يميل الى اعتبار جحوده وانكاره كنتيجة لخطيئة ، هذا هو جوهر فان كوخ يعتبر الحياة تساؤلا مؤلما قاطعا يتطلب ان يجد جوابا له قبل ان يعيش تلك الحياة وقد علمته تجاربه الاولى ان الحياة هي ابدا مع الانسان وضده الا ان حسيته المفرطة جعلته شاعرا بصورة غير اعتيادية بضدية الحياة وحدها،بشقائه وشقاء العالم فأنصرف باحثا عن وفاق اصيل مطلق مع الحياة .

انه يريد استعادة تلك اللحظات التي يكون فيها على وفاق مع نفسه فلو كان هناك نظام ولو استطاع فهم هذا النظام احيانا ، ويحسب بأن نفسه على وفاق تام معه فأنه سيكون قادرا على لمسه ورؤيته مما يجعل تلك اللحظات ممكنة الاستعادة بأتباع اسلوب ما .

ان الاوضاع المحيطة بهذا الفنان قد ساعدت على ازدياد شعوره بالاغتراب وانعكس ذلك على اعماله التي تجسد فيها الاغتراب بأهمال الفنان الحقيقة الظاهرة للأشكال واي التزام اخر يحدد صياغتها ويعكس اهتمامه الدائم بأظهار الحقيقة الباطنية للاشكال التي اختلطت بمشاعره النتيجة المشوهة للشكل الماثل امامه، ويتضح من خلال كلامه " لا يمكنني ان ارسم رأسا دون ان اعرف ما يدور بخلد هذا الشخص وروحه ".
وبعبارة اخرى نستطيع القول ان شعور الفنان بأغترابه جعلت اعماله تبتعد عن الواقع وتصبح وهمية ، وهذا ما نراه في اعماله المختلفة مثل معالجته للكف في عمله فتاتان وفي حركة الاشجار ،فالحقيقة التي يسعى اليها الفنان قد تكون مشوهة للاشكال لأنها  حقيقية من وجهة نظره هو ، يقول : " ان الدافع  الكبير  المسيطر علي ، هو ان اتعلم كيفية تصوير عدم الاكتمال لا الكمال ،بتصوير الانحرافات والتشوهات وتغيرات الواقع بالدرجة التي تصبح عندها هذه الاشياء غير حقيقية في نظر الكثيرين ". أي  انه  يقوم  بتشويه  الواقع لتقبيحـــه فيصبح القبح قيمة جمالية  مدفونة  اخرجها  الى الواقع  لأظهار مساوئ المجتمع على  الانسان
                                                                
       
فأراد توضيحها . فمثلا ان فان كوخ يصور المناظر الداخلية كرسيا وحذاء عتيقا وكومة من البصل بالسطوع الذي يصور به ايل غريكو العذراء 

كوكان نموذج اخر عانى جسديا وعقليا من حالة الاغتراب بحيث انه ابتلع كمية من الزرنيخ لينهي به حياته ، لقد كان لشعوره بالاغتراب دور اساسي في ابداعه الفني الذي تجسد في قدرته على تصوير الالم الانساني والمعاناة الذاتية التي ترقى الى مستوى الموضوعية .   

ويفهم كوكان الفن على انه خلق العالم الذي هو خارج الفنان والفنان ذاته ، والوهم الذي يوجد في فنه حمله معه الى الحياة الواقعية ايضا. ونلمس عند الفنان كوكان تحول من خلال اعطاءه للالوان الخاصة استقلاليتها واضفى صبغة مكانية على الحساسية ليبين بذلك ان المكان الذي يمثله فن الرسم هو قبل كل شيء مكان متخيل وسيكولوجي انه مكان ذهني اكثر منه مكان تشكيلي وهذا ما يدعو فرانكستايل الى الاقرار بأن انسلاخ كوكان وفان كوخ عن المكان التقليدي كان انسلاخ ذهنيا اكثر منه انسلاخا تشكيليا . 
                                                                                                                    
      
وبيكاسو هو الاخر فأن انخذاله في الواقع القى الضوء على انخذال اخر اسبق منه ونعني هنا الاحساس العميق بالفقدان والمنفى الذي اصبح القوة المحفزة لرسومه والمتحكمة في شكل تجديداته ، لقد سيق سوقا ليبتكر ويجدد والمصدر متمثل في القوى النفسية العميقة الجذور .

ان تجديدات بيكاسو ترينا المكونات الجوهرية للهجوم على مفاهيم الواقع التصويري التقليدية في هذه التجديدات امران متميزان في التحليل النفسي ، الاول غرس التوتر النفسي الحاد على نحو فعال ويتحقق ذلك تصويريا بمختلف وسائل التشويه والثاني اللعب بالزمان والمكان بالقياس للكتلة وابعاد الجسم

ان شعور الفنان بيكاسو بالانخذال في حياته جعلته يعيش حالة من الاغتراب ، وخلق عالم اخر يكون فيه هو الصانع والمسيطر أي عالم وهمي وهذا ما نجده في اعماله (الجرنيكا) و (المرأة الباكية) والتي نفذت بأتباع المنهج التكعيبي من خلال تزامن ظهور الاشكال وبكل تفاصيلها واوجه حركاتها ، اذا يمكن عد الخروج عن التقيد بالواقع المرئي هو اول القواعد المشتركة مع الاغتراب فضلا عن ان طريقة تجسيد هذا الخروج عن الواقع لم تكن بتجريد الاشكال فقط انما بتشويهها ايضا